مجمع البحوث الاسلامية

223

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الجرّ من « أن » و « إن » قياسيّ فليس بلازم ، وإنّما قدّروه لتوضيح المعنى ، والمراد به طلب اللّه تعالى لا طلب العبد ، وإن أريد ذلك كان علّة للكفّ المستفاد من النّهي ، كأنّه قيل : كفّوا أنفسكم من جعله سبحانه عرضة ، وطلب العبد صالح للكفّ . ( 2 : 127 ) رشيد رضا : قوله تعالى : أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا على الوجه الأوّل : بيان للأيمان ، لأنّها بمعنى المحلوف عليه ، أي لا تجعلوه مانعا لما حلفتم على تركه من البرّ والتّقوى والإصلاح بين النّاس ، بل إذا حلف أحدكم على ترك البرّ أو التّقوى أو الإصلاح ، فليكفّر عن يمينه ، وليفعل البرّ والتّقوى والإصلاح ، فلا عذر لأحد في ترك ذلك ، ولا يرضى اللّه تعالى أن يكون اسمه مانعا منه . وأمّا على الوجه الثّاني : فهو لتعليل النّهي ، أي لا تجعلوه تعالى معرضا لأيمانكم ، لأجل البرّ والتّقوى والإصلاح ، فإنّ كثير الحلف لا يكون أهلا لذلك ، لما تقدّم من كونه يكون مهينا ، غير معظّم للّه تعالى ، وعرضة للكذب والحنث ، وغير موثوق بقوله ، فأنّى يرضاه النّاس مصلحا بينهم ؟ والمصلح مربّ ومؤدّب ، وحاكم مطاع بالاختيار . ( 2 : 366 ) الطّباطبائيّ : ( ان تبرّوا ) بتقدير « لا » أي أن لا تبرّوا ، وهو شائع مع « أن » المصدريّة ، كقوله تعالى : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا النّساء : 176 ، أي أن لا تضلّوا ، أو كراهة أن تضلّوا . ويمكن أن لا يكون بتقدير « لا » وقوله تعالى : ( ان تبرّوا ) متعلّقا بما يدلّ عليه قوله تعالى : ( ولا تجعلوا ) من النّهي ، أي ينهاكم اللّه عن الحلف الكذائيّ ، أو يبيّن لكم حكمه الكذائيّ أن تبرّوا وتتّقوا وتصلحوا بين النّاس . ويمكن أن يكون « العرضة » بمعنى ما يكثر عليه العرض ، فيكون نهيا عن الإكثار من الحلف باللّه سبحانه . والمعنى لا تكثروا من الحلف باللّه فإنّكم إن فعلتم ذلك أدّاكم إلى أن لا تبرّوا ولا تتّقوا ، ولا تصلحوا بين النّاس فإنّ الحلّاف المكثر من اليمين لا يستعظم ما حلف به ، ويصغّر أمر ما أقسم به لكثرة تناوله ، فلا يبالي الكذب ، فيكثر منه هذا عند نفسه ، وكذا يهون خطبه وينزل قدره عند النّاس ، لاستشعارهم أنّه لا يرى لنفسه عند النّاس قدم صدق ، ويعتقد أنّهم لا يصدّقونه فيما يقول ، ولا أنّه يوقّر نفسه بالاعتماد عليها ، فيكون على حدّ قوله تعالى : وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ القلم : 10 . والأنسب على هذا المعنى أيضا عدم تقدير « لا » في الكلام ، بل قوله تعالى : ( ان تبرّوا ) منصوب بنزع الخافض ، أو مفعول له لما يدلّ عليه النّهي في قوله : ( ولا تجعلوا ) كما مرّ . وفي قوله تعالى : وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ نوع تهديد على جميع المعاني ، غير أنّ المعنى الأوّل أظهرها ، كما لا يخفى . ( 2 : 222 ) ان تبرّوهم لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . الممتحنة : 8 الزّجّاج : ( ان ) في موضع جرّ بدل من ( الّذين ) المعنى